كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



تنبيه: جاء وأتى يستعملان في معنى فعل فيعديان تعديته، وظلمًا مفعول به، وقيل: إنه على إسقاط الخافض أي: جاؤوا بظلم.
الشبهة الثانية: قوله تعالى: {وقالوا أساطير الأولين} أي: ما سطره الأولون من أكاذيبهم جمع أسطورة بالضم كأحدوثة، أو أسطار {اكتتبها} أي: تطلب كتابتها له من ذلك القوم وأخذها، والمعنى أن هذا القرآن ليس من الله تعالى إنما هو مما سطره الأولون الأول كأحاديث رستم واسفنديار استنسخها محمد من أهل الكتاب {فهي} أي: فتسبب عن تكلفه ذلك أنها {تملى عليه} أي: تقرأ عليه ليحفظها {بكرة} قبل أن تنتشر الناس {وأصيلا} أي: عشيًا حين يأوون إلى مساكنهم، أو دائمًا ليتكلف حفظها بالانتساخ؛ لأنه أمي لا يقدر أن يكرر من الكتاب، أو ليكتب وهذا كما ترى لا يقوله من له مسكة في عقل، أو مروءة كيف وهو يدعوهم إلى المعارضة ولو بسورة من مثله وفيهم الكتاب والشعراء والبلغاء والخطباء، وهم أكثر منه مالًا وأعظم أعوانًا ولا يقدرون على شيء منه، فإن قيل: كيف؟ قيل: اكتتبها فهي تملى عليه، وإنما يقال: أمليت عليه فهو يكتبها؟
أجيب: بوجهين: أحدهما: أراد اكتتابها وطلبه، فهي تملى عليه، الثاني: أنها كتبت له وهو أمي فهي تملى أي: تلقى عليه من كتاب ليحفظها؛ لأن صورة الإلقاء على الحافظ كصورة الإلقاء على الكاتب، وقرأ {فهي} قالون وأبو عمرو والكسائي بسكون الهاء، والباقون بكسرها، ثم أمره الله تعالى بجوابهم بقوله تعالى: {قل} أي: دالًا على بطلان ما قالوه ومهددًا لهم {أنزله الذي يعلم السر} أي: الغيب {في السموات والأرض}؛ لأنه أعجزكم عن آخركم بفصاحته وتضمنه أخبارًا عن مغيبات مستقبلة وأشياء مكنونة لا يعلمها إلا عالم الأسرار، فكيف تجعلونه أساطير الأولين مع علمكم أن ما تقولونه باطل وزور؟ وكذلك باطن رسول الله صلى الله عليه وسلم وبراءته مما يبهتونه، وهو يجازيكم على ما علم منكم وعلم منه.
فإن قيل: كيف يطابق هذا قوله تعالى: {إنه كان} أي: أزلًا وأبدًا {غفورًا رحيمًا}؟
أجيب: بأنه لما كان ما يقدمه في معنى الوعيد عقبه بما يدل على القدرة عليه؛ لأنه لا يوصف بالرحمة والمغفرة إلا القادر على العقوبة، أو هو تنبيه على أنهم استوجبوا بمكابرتهم هذه أن يصب عليهم العذاب صبًا، ولكن صرف ذلك عنهم؛ لأنه غفور رحيم يمهل ولا يعاجل.
الشبهة الثالثة: قوله تعالى: {وقالوا ما لهذا الرسول} أي: ما لهذا الذي يزعم الرسالة، وفيه استهانة وتهكم وتصغير لشأنه، وتسميته بالرسول سخرية منه كأنهم قالوا: ما لهذا الزاعم أنه رسول، ونحوه قول فرعون: {إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون} (الشعراء: 27)، أي: إن صح أنه رسول الله فما باله حاله مثل حالنا {يأكل الطعام} أي: كما نأكله {ويمشي} أي: ويتردد {في الأسواق} لطلب المعاش كما نمشي، فلا يجوز أن يمتاز عنا بالنبوة يعنون: أنه يجب أن يكون ملكًا مستغنيًا عن الأكل والشرب والتعيش، وكذلك كانوا يقولون له: لست أنت بملك؛ لأنك تأكل الطعام، والملك لا يأكل، ولأن الملك لا يتسوق وأنت تتسوق، وما قالوه فاسد؛ لأن أكله الطعام لكونه آدميًا ومشيه في الأسواق لتواضعه، وكان ذلك صفته في التوراة، ولم يكن صخابًا في الأسواق، وليس شيء من ذلك ينافي النبوة، ولأنه لم يدع أنه ملك من الملوك، ثم نزلوا عن اقتراحهم أن يكون ملكًا إلى اقتراح أن يكون إنسانًا معه ملك حتى يسانده في الإنذار والتخويف، فقالوا: {لولا} أي: هلا {أنزل إليه ملك} أي: يصدقه ويشهد له {فيكون معه نذيرًا} أي: داعيًا، ثم نزلوا أيضًا إلى أنه لم يكن مرفودًا بملك، فليكن مرفودًا بكنز، فقالوا:
{أو يلقى إليه كنز} أي: ينزل عليه كنز من السماء ينفقه فلا يحتاج إلى المشي في الأسواق لطلب المعاش، ثم نزلوا فاقتنعوا بأن يكون رجلًا له بستان، فقالوا: {أو تكون له جنة} أي: بستان {يأكل منها} أي: إن لم يلق إليه كنز فلا أقل أن يكون له بستان كالمياسير فيتعيش بريعه، وقرأ حمزة والكسائي بالنون أن نأكل نحن منها فيكون له مزية علينا بها، والباقون بالياء وقوله تعالى: {وقال الظالمون} وضع فيه الظاهر موضع المضمر إذ الأصل وقالوا تسجيلًا عليهم بالظلم فيما قالوا {إن} أي: ما {تتبعون إلا رجلًا مسحورًا} أي: مخدوعًا مغلوبًا على عقله، وقيل: مصروفًا عن الحق، ولما أنهى تعالى ما ذكر من أقوالهم الناشئة عن ضلالهم التفت سبحانه وتعالى إلى رسوله صلى الله عليه وسلم مسليًا له بقوله تعالى: {انظر} أي: يا أفضل الخلق {كيف ضربوا لك الأمثال} أي: بالمسحور والمحتاج إلى ما ينفقه وإلى ملك يقوم معه بالأمر {فضلوا} أي: بذلك عن جميع طرق الهدى {فلا يستطيعون} أي: في الحال ولا في المآل بسبب الضلال {سبيلًا} أي: سلوك سبيل من السبل الموصلة إلى ما يستحق أن يقصد، بل هم في مجاهل موحشة وفيافي مهلكة، ولما أثبت أنهم لا علم لهم ولا قدرة ولا يمن ولا بركة أثبت لنفسه سبحانه وتعالى ما يستحق من الكمال الذي يفيض به على من يشاء من عباده ما يشاء بقوله تعالى: {تبارك} أي: ثبت ثباتًا مقترنًا باليمن والبركة لا ثبات إلا هو {الذي إن شاء} فإنه لا مكره له {جعل لك} أي: في الدنيا {خيرًا من ذلك} أي: من الذي قالوه على طريق التهكم من الكنز والبستان، وقوله تعالى: {جنات} بدل من خيرًا، ويجوز أن يكون منصوبًا بإضمار أعني، ثم وصفها بقوله تعالى: {تجري من تحتها الأنهار} أي: تكون أرضها عيونًا نابعة أي: في أي موضع أريد منه إجراء نهر جرى، فهي لا تزال ريًا تغني صاحبها عن كل حاجة ولا تحوجة في استمرارها إلى سقي {ويجعل لك قصورًا} أيضًا وهي جمع قصر، وهو المسكن الرفيع، قال المفسرون: القصور هي البيوت المشيدة، والعرب تسمي كل بيت مشيد قصرًا، ويحتمل أن يكون لكل جنة قصر، فيكون مسكنًا ومنتزهًا، ويجوز أن تكون القصور مجموعة والجنات مجموعة، وقال مجاهد: إن شاء جعل جنات في الآخرة وقصورًا في الدنيا، ولم يشأ الله سبحانه وتعالى ما أشار إليه في هذه الآية الشريفة في هذه الدنيا الفانية وأخره إلى الآخرة الباقية، وقد عرض عليه سبحانه وتعالى ما شاء في ذلك في الدنيا فأباه.
روي أنه عليه الصلاة والسلام قال: «عرض علي ربي ليجعل لي بطحاء مكة ذهبًا فقلت: لا يا رب ولكن أشبع يومًا وأجوع يومًا، أو قال: ثلاثًا أو نحو هذا فإذا جعت تضرعت إليك، وإذا شبعت حمدتك وشكرتك» وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لو شئت لسارت معي جبال مكة ذهبًا جاءني ملك فقال: إن ربك يقرأ عليك السلام ويقول لك: إن شئت نبيًا عبدًا وإن شئت نبيًا ملكًا، فنظرت إلى جبريل عليه السلام فأشار إلي أن ضع نفسك، فقلت: نبيًا عبدًا، قالت: وكان النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك لا يأكل متكئًا، ويقول: آكل كما يأكل العبد وأجلس كما يجلس العبد».
وعن ابن عباس قال: بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس وجبريل عليه السلام معه، فقال جبريل عليه السلام: هذا ملك قد نزل من السماء استأذن ربه في زيارتك، فلم يلبث إلا قليلًا حتى جاء الملك وسلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: إن الله يخيرك أن يعطيك مفاتيح كل شيء لم يعطه أحدًا قبلك، ولا يعطيه أحدًا بعدك من غير أن ينقصك مما أداك شيئًا، فقال صلى الله عليه وسلم «بل يجمعها لي في الآخرة» فنزل {تبارك الذي إن شاء} الآية، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وشعبة برفع اللام من يجعل، وفيه وجهان:
أحدهما: أنه مستأنف، والثاني: أنه معطوف على جواب الشرط؛ لأن الشرط إذا وقع ماضيًا جاز في جوابه الجزم والرفع كقوله:
وإن أتاه خليل يوم مسألة ** يقول لا غائب مالي ولا حرم

والباقون بالجزم، ويجوز في {يجعل لك} إذا أدغمت أن تكون اللام في تقدير الجزم والرفع، ثم أضرب سبحانه وتعالى عن كلامهم في حق رسوله محمد صلى الله عليه وسلم بقوله تعالى: {بل} أي: لا يظنوا أنهم كذبوا بما جئت به؛ لأنهم لا يعتقدون فيك كذبًا بل {كذبوا بالساعة} أي: القيامة، فقصرت أنظارهم على الحطام الدنيوي، وظنوا أن الكرامة إنما هي بالمال فلا يرجون ثوابًا ولا عقابًا، فلا يتكلفون النظر والفكر، ولهذا لا ينتفعون بما يورد عليهم من الدلائل {وأعتدنا} أي: والحال أنا اعتدنا أي: هيأنا بما لنا من العظمة {لمن كذب} من هؤلاء وغيرهم {بالساعة سعيرًا} أي: نارًا شديدة الاتقاد بما أعظموا الحريق في قلوب من كذبوهم من الأنبياء وأتباعهم، وعن الحسن: أن السعير اسم من أسماء جهنم.
تنبيه: احتج أهل السنة على أن الجنة مخلوقة بقوله تعالى: {أعدت للمتقين} (آل عمران: 133).
وعلى أن النار وهي دار العقاب مخلوقة بهذه الآية:
{إذا رأتهم من مكان بعيد} وهو أقصى ما تمكن رؤيتها منه، وقال الكلبي والسدي: من مسيرة عام، وقيل: من مسيرة مائة سنة، روي أنه صلى الله عليه وسلم قال: «من كذب علي متعمدًا فليتبوأ بين عيني جهنم مقعدًا، قالوا: وهل لها من عينين؟ قال: نعم، ألم تسمع قوله تعالى: {إذا رأتهم من مكان بعيد}».
وقال البيضاوي: تبعًا للزمخشري: إذا كانت بمرأى منهم كقوله عليه الصلاة والسلام: لا «تراءي ناراهما» أي لا تتقاربان بحيث تكون إحداهما بمرأى من الأخرى على المجاز. انتهى، وهذا تأويل للمعتزلة بناء منهم على أن الرؤية مشروطة بالحياة بخلاف الأشاعرة فإنهم يجوزون رؤيتها حقيقة كتغيظها وزفيرها في قوله تعالى: {سمعوا لها تغيظًا} أي: غليانًا كالغضبان إذ غلى صدره من الغضب {وزفيرًا} أي: صوتًا شديدًا إذ لا امتناع من أنها تكون رائية مغتاظة زافرة، وأشار البيضاوي إلى ذلك بعد ما ذكر بقوله: هذا. وإن الحياة لما لم تكن مشروطة عندنا بالبينة أمكن أن يخلق الله فيها حياة فترى وتتغيظ وتزفر، وقال الجلال المحلي: وسماع التغيظ رؤيته وعلمه انتهى. قال عبد الله بن عمر: تزفر جهنم يوم القيامة زفرة فلا يبقى ملك مقرب ولا نبي مرسل إلا خر لوجهه، وقيل: إذا رأتهم زبانيتها تغيظوا وزفروا غضبًا عل الكفار للانتقام منهم، فنسب إليها على حذف مضاف.
{وإذا ألقوا} أي: طرحوا طرح إهانة {منها} أي: النار {مكانًا} ثم وصفه تعالى بقوله تعالى: {ضيقًا} زيادة في فظاعتها، قال ابن عباس: يضيق عليهم كما يضيق الزج في الرمح {مقرنين} أي: مصفدين زيادة قد قرنت أيديهم إلى أعناقهم من الأغلال، وقد قيل: الكرب مع الضيق كما أن الروح مع السعة، ولذلك وصف الله تعالى الجنة بأن عرضها السموات والأرض، وجاء في الأحاديث أن لكل مؤمن من القصور والجنان كذا وكذا، ولقد جمع الله تعالى على أهل النار أنواع الضيق والإرهاق حيث ألقاهم في مكان ضيق يتراصون فيه تراصًا كما مر عن ابن عباس: أنه يضيق عليهم كما يضيق الزج في الرمح، وهو منقول أيضًا عن ابن عمر، وسئل النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال: «والذي نفسي بيده إنهم يستكرهون في النار كما يستكره الوتد في الحائط، وهم مع ذلك الضيق مسلسلون مقرنون في السلاسل قرنت أيديهم إلى أعناقهم ويقرن مع كل كافر شيطانه في سلسلة في أرجلهم».
تنبيه:
{مكانًا} منصوب على الظرف، ومنها في محل نصب على الحال من مكانًا؛ لأنه في الأصل صفة له، ومقرنين حال من مفعول {ألقوا}، وقرأ ابن كثير ضيقًا بسكون الياء والباقون بكسر الياء مشددة {دعوا هنالك} أي: في ذلك المكان البغيض البعيد عن الرفق {ثبورًا} قال ابن عباس: ويلًا، وقال الضحاك: هلاكًا، فيقولون: واثبوراه هذا حينك وزمانك؛ لأنه لا منادم لهم غيره، وليس يحضر أحدً منهم سواه، قال البغوي: وفي الحديث «إن أول من يكسى حلة من النار إبليس فيضعها على حاجبيه ويسحبها من خلفه، وذريته من خلفه وهو يقول: يا ثبوراه وهم ينادون: يا ثبورهم حتى يقفوا على النار» فيقال لهم: {لا تدعوا اليوم} أي: أيها الكفار {ثبورًا واحدًا}؛ لأنكم لا تموتون إذا حلت بكم أسباب العذاب والهلاك {وادعوا ثبورًا كثيرًا} أي: هلاككم أكثر من أن تدعوا مرة واحدة، أو ادعوا أدعية كثيرة، وقال الكلبي: نزل هذا كله في أبي جهل والكفار الذين ذكروا تلك الشبه، ولما وصف تعالى العقاب المعدّ للمكذبين بالساعة أتبعه بما يؤكد الحسرة والندامة بقوله تعالى: {قل} أي: لهؤلاء البعداء البغضاء {أذلك} أي: المذكور من الوعيد وصفة النار {خير أم جنة الخلد} أي: الإقامة الدائمة {التي وعد المتقون} أي: وعدها الله تعالى لهم، فالراجع إلى الموصوف وهو هاء وعدها محذوف.